السيد محمد حسين الطهراني
81
معرفة المعاد
والأفكار والخيالات التي تدور حول المصالح الشخصيّة وراء ظهره ويخلّفها في زوايا النسيان ، فيرد عالماً جديداً لا يشبه هذا العالم بأيّ وجه من الوجوه . كما أنّ الموجودات البرزخيّة حين تريد ورود عالم القيامة فإنّها تتخلّى عن خصوصيّات عالم البرزخ وتتعرّى عنها وعن لوازمها ، فترد عالم القيامة دونها . بَيدَ أنه قد ذُكر لنا ذلك باعتبار عدم وجود أي معرفة وانس لنا بتلك العوالم ، فالآيات القرآنيّة الكريمة والروايات الواردة عن المعصومين سلام الله عليهم أجمعين حين قرّبت تلك المعاني لأفهامنا وإدراكنا كان لا بدّ لها الدخول من باب تشبيه المعقول بالمحسوس ، وخلع لباس المحسوسات على تلك المعاني الرفيعة والدقائق السنيّة ، وصبّها وقولبتها في قالب تلك المحسوسات . فالإنسان - مثلًا - يرى في عالم الرؤيا والمنام أنه يُرزق رزقاً معنويّاً وباعتبار أنّ الحليب هو ذلك الرزق الطاهر السائغ والمفيد له في عالم اليقظة ، يفيد منه جميع الناس ، المرأة والرجل ، الشيخ والشابّ ، الصغير والكبير ، والسليم والسقيم ، فإنه سيرى ذلك الرزق المعنويّ الروحانيّ في عالم الرؤيا في هيئة الحليب ، فيُصوّر له أنه يشرب منه . وحين يذهب إلى مفسّر الأحلام فيقصّ عليه رؤياه ويسأله تفسيره ، فإنّ المفسّر سيقول له : إنّك ستُرزق رزقاً معنويّاً وروحانيّاً ، وهذا من باب أُنس ذهن المفسّر بارتباط الغذاء المعنويّ والروحانيّ بالغذاء المادّيّ اللطيف ، وبإدراك حالات من يشاهد الرؤيا وكيفيّة تداعي المعاني في نفسه . وذلك لانّ ذهن من يشاهد الرؤيا محروم عن إدراك الحقائق المجرّدة